المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التيسير.. لا التزمت و التشديد


samir-ob
12-Apr-2006, 03:08 AM
( بسم الله الرحمن الرحيم )
التيسير.. لا التزمت و التشديد

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين , و بعد :
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

من أهم ما يميز شريعتنا الإسلامية صلاحيتها لكل زمان ومكان، فهي تتخطى الحدود، وتتخطى حدود الزمن، وتتخطى الأعراق والأجناس لتكون رسالةً إلى البشرية جمعاء، هذا يتطلب منها درجةً عاليةً من المرونة، درجةً عاليةً من السعة حتى تسع الناس على اختلاف حاجاتهم، وحاجتهم التي تتغير بتغير الزمان والمكان, وعلى اعتبار أن الإنسان هو الهدف الأساسي لهذه الشريعة.

فلا شك أن الله سبحانه وتعالى إنما أنزل كتبه وأرسل رسله لأجل تحقيق مصالح الناس، لأن الله تعالى غني عن العالمين، ليس له حاجة في أن يُكلِّف عباده بتكليف ولكن هذه التكاليف التي كلَّف الله بها عباده ترجع في النهاية إلى مصلحتهم الدنيوية والأخروية، هذا ما يؤمن به كل مسلم بل كل مؤمن بالله تبارك وتعالى بحكمته و ببالغ حكمته وواسع رحمته عز وجل .

إلزام جمهور النَّاس ، بما لم يلزمهم الله به :
إن من مظاهر التطرف الديني: التزام التشديد دائماً، مع قيام موجبات التيسير، وإلزام الآخرين به، حيث لم يلزمهم الله به، إذ لا مانع أن يأخذ المرء لنفسه بالأشد في بعض المسائل، وبالأثقل في بعض الأحوال، تورعاً واحتياطاً، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا ديدنه دائماً وفي كل حال، بحيث يحتاج إلى التيسير فيأباه، وتأتيه الرخصة فيرفضها، مع قوله صلى الله عليه وسلم : يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا وقوله: إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته وقوله تعالى: ((يُريد الله بِكُم اليُسْر ولا يُريدُ بِكُم العُسْر )) [البقرة: 158 ]، و ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما ً.

وقد يقبل من المسلم أن يشدد على نفسه، ويعمل بالعزائم، ويدع الرخص والتيسيرات في الدين، ولكن الذي لا يقبل منه بحال أن يلزم بذلك جمهور الناس، وإن جلب عليهم الحرج في دينهم،والعنت في دنياهم، مع أن أبرز أوصاف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، أنه ((يُحِلّ لهم الطيبات ويُحرِّم عليهم الخبائث ويَضعُ عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم )) [الأعراف:156 ].

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أطول الناس صلاة إذا صلى لنفسه، حتى إنه كان يقوم بالليل فيطيل القيام حتى تتفطر أو تتورم قدماه عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان أخف الناس صلاة إذا صلى بالناس، مراعياً ظروفهم وتفاوتهم في الاحتمال، وقال: إذا صلى أحدكم بالنّاس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما يشاء [رواه البخاري ].

ومن التشديد على الناس محاسبتهم على النوافل والسنن كأنها فرائض، وعلى المكروهات كأنها محرمات، والمفروض ألاّ نلزم الناس إلاّ بما ألزمهم الله تعالى به جزماً، وما زاد على ذلك فهم مخيرون فيه، إن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا تركوا.


وحسبنا هنا حديث طلحة بن عبيد الله في الصحيح، في قصة ذلك الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عما عليه من فرائض، فأخبره بالصلوات الخمس وبالزكاة ، وبصوم رمضان، فقال: هل عليّ غيرها؟ فقال لا، إلاّ أن تطوع، فلما أدبر الرجل قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق .

يكفينا من المسلم في هذا العصر أن يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر، لنعتبره في صف الإسلام وأنصاره، ما دام ولاؤه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإن ألمّ ببعض الصغائر من المحرمات، فعنده من الحسنات مثل: الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصيام رمضان وغيرها، ما يكفر عنه هذه الصغائر ((إنّ الحسناتِ يُذْهِبن السيِّئات )) [هود:114]، ((إنْ تجتنبوا كبائِر ما تُنهون عنْه نُكفِّر عنكم سيئاتِكم ونُدخلكم مدخلاً كريماً )) [النساء:31 ].

فكيف نسقط اعتبار المسلم بمجرد الوقوع فيما اختلف فيه من الأمور: أهو حرام أم حلال؟ ولم يعلم تحريماً يقيناً من دين الله؟ أو ترك ما اختلف فيه: أهو واجب أم سنة؟ ولم نعلم فرضيته جزماً في شرع الله؟ ومن هنا أنكرعلماء المسلمين على بعض المتدينين تبنيهم بصفة دائمة ومطلقة لخط التشدد والتزمت، والتزام أشد الآراء تضييقاً، وأقربها إلى التعسير، وأبعدها عن السعة والتيسير، ولم يكفهم أن يلتزموا ذلك في أنفسهم، وإن أعنتهم وأحرجهم، بل أرادوا أن يلزموا بذلك سائر الناس، وأي عالم خرج عن هذا الخط، داعياً إلى التيسير، أو مفتياً بما هو أرفق لهم وبما يرفع الحرج عنهم، في ضوء مقاصد الشريعة وأحكامها، وضع عندهم في قفص الاتهام!

إن منكم منفرين!!
ومن أسباب التنفير: الفظاظة والغلظة والخشونة في التعامل مع الناس . فإن حسن الخلق والرفق ولين الجانب وبشاشة الوجه تحبب صاحب الدعوة إلى الناس، وتقربهم منه. بخلاف الغلظة والعنف والخشونة ، فإن الناس لا يطيقون من كانت هذه أخلاقه، فهي أخلاق طاردة، وليست جاذبة، كما هو مشاهد ومعلوم.
والقرآن الكريم يقرر ذلك بوضوح، فقد خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك" هذا مع أنه المرسل إليهم من الله، والمؤيد بوحيه، والمعصوم من ربه. ولكن البشر لا يطيقون بطبيعتهم مصاحبة الفظ والغليظ، ولو كان هو الرسول المعصوم، فكفى بهذا عبرة ودرسًا.
ولا غرو أن وجدناه صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، وأكثر الناس رفقًا، وألطف الناس عشرة، وأقرب الناس إلى العفو عن المسيء، والصفح عمن هفا وزل قدمه. وقد قال تعالى في وصفه: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم" [التوبة: 128].

التيسير لا التزمت و الوسوسة و التشديد:

علينا في تعليم العبادات أن نذكر هذه الكلمة النبوية المضيئة التي خاطب بها الرسول الكريم أصحابه حين ثاروا بأعرابي بال بالمسجد جهلاً منه و جفاء , فقال لهم : ( لا تقطعوا على الرجل بولته , فإنما بعثتم ميسرين و لم تبعثوا معسرين ) .
و حين بعث أبا موسى و معاذاً إلى اليمن أوصاهما هذه الوصية الجليلة :
(يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا , و تطاوعا و لا تختلفا ) .
هذه هي الطريقة التي أرادها الله و رسوله في طريقة الإرشاد و النصح و التعليم .
علينا نحن أن نشحد أسلحتنا لجهاد الشيطان و مطاردته و تنفير أتباعه من بضاعته , و جذبهم إلى سوقنا . و لن يكون ذلك أبداً بالتعنت و التزمت , و الإحراج و التشديد , و التعسير و التنفير ,... و لسنا نريد أن نبتكر لأبناء العصر ديناً سهلاً خالصاً سائغاً للشاربين , و إنما دين الله نفسه يسر لا عسر فيه هو الذي قال ( و ما جعل عليكم في الدين من حرج ) و هذا نفي عام لكل حرج في الدين , فأي حرج يصادفنا فلتعلم أنه من صنع الناس لا من شرع الله .
نظرة المتزمتون تميل إلى التشديد لا إلى التيسير وهي بعيدة عن النظرة الوسطية دائما مع الغُلُو ومع التشدد أو التنطُّع كما سماه صلى الله عليه وسلم حين قال "هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" وكررها ثلاثا وقال "إياكم والغُلُوَّ في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغُلُوّ في الدين" وغُلُوُّهم ناشئ من نظرتهم الحرفية، مثلاً مسألة اللحية بالنسبة لهم يجعلون مسألة اللحية هذه كأنها من أركان الإسلام، حيث يقولون عن شخص إنه فاسق , و عند السؤال عن هذا الشخص نعرفه مقيما للصلاة مؤديا للزكاة صائما لرمضان مجتنبا لما حرَّم الله، كيف وصفوه بالفسق؟ وبعدها يتبين لنا أنهم وصفوه لأنه تارك اللحية أي حليق اللحية , ومَن ينظر إلى النصوص التي جاءت في اللحية يجد فيها ثلاث أحاديث صِحاح عن الصحابة ومن يتأملها يجد أنها كلها جاءت من أجل مخالفة المُشركين أو المجوس،( خالِفوا المشركين, خالِفوا المجوس)، كان المجوس في الفُرس يطيلون شواربهم ويحلقون اللحية، فقال خالفوهم في المظهر لأن الإسلام يريد للمسلم أن يكون متميزا في مظهره وفي مَخبَره إنما المخالفة في المظهر هذه ليست من أساسيات الدين و لكن من التحسينيَّات كما ذكر العلماء أو من الكَمَالِيَّات كما يعبر عنها في عصرناالراهن. ولذلك جاء في أحاديث أخرى للنبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة أن يَصبُغوا.. نهى الصحابة أن يتركوا الشيب وقال لهم خالفوا اليهود والنصّارى فإنهم لا يصبغون فأصبغوا، أي أصبغوا الشيب بالحِنَّة أو بشيء حتى لا يبقى أبيض ومع هذا بعض الصحابة خالفوا..
صبغ البعض وبعض الصحابة لم يصبغ، هذا ثابت بيقين، كثير من الصحابة لم يصبغوا لماذا؟ لأنهم يعرفون أن هذه القضية تتعلق بأمر تكميلي وليست بأمر أساسي، لو كان أمر أساسي لسارع الجميع إلى الصبغ , إنما البعض قال لا أنا أتركه كما هو، فهذا يدل على أن هذا التشديد ليس له أصل ثابت.
كذلك الذين يُقَصِّرون الثياب ذكروا بعض الأحاديث التي ذكرت أن المُسبِل إزاره هذا لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يُزَكِّيهم ولهم عذاب أليم، ذكر الثلاثة منهم المُسبِل الذي يسبل إزاره يطوِّلًه، فهؤلاء نظروا إلى هذا الحديث وتركوا الأحاديث الأخرى التي ذكرت العِلَّة في هذا والحكمة والمَقْصّد من هذا أنه يفعل هذا خُيَلاء "من جَرَّ إزاره خُيَلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" وأن سيدنا أبو بكر لمَّا سمع الحديث قال يا رسول الله : أني لا أتعَهَّد إزاري فيسترخي، أي أنا لا أهتم بإزاري أحيانا أتركه يجر على الأرض، قال له الرسول الكريم : ( أنك لا تصنعه خُيَلاء )، تركوا هذه العِلَّة وجعلوا أنه الأساس هو إسبال الإزار.. فهذه هي مشكلة هؤلاء الذين يتمسكون بالظاهر ويتشددون في أمور ليس هناك داع إلى التشدد فيها.

كذلك ما قاله أبو جعفر المنصور للإمام مالك حينما أراد أن يؤلف كتابه الموطأ، قال له تجنب فيه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس، طبيعة الناس، فيهم الميسر وفيهم المشدد، اجعلوا الشريعة وعظمتها تتسع لهذا، وتتسع لذاك، لو اتسعت.. إلا للميسر فقط ، لكن المتشد د ماذا يفعل ؟هل يختنق، لأ.. سيجد في الشريعة..، نحن حتى هذا يتيح لنا،عند ما نريد أن نعمل قوانين للشريعة ننظر في المذاهب الإسلامية المختلفة على رحابتها وسعتها وتعدد مشاربها، فأحياناً يضيق بنا مذهب ويتسع لنا آخر، نجد مذهباً يتسع.. أي يصلح في زمن ولا يصلح في غيره، ويصلح.. قد يصلح في بيئة ولا يصلح في غيرها، ويصلح لبعض الناس ولا يصلح.. فهذه.. هذا معنى لا.. لا يمكن أن يكون هذا أمراً سلبياً، بل هو أمر إيجابي ونافع من غير شك.

و أكبر دليل من السنة النبوية على التيسير و عدم التشدد , هذه الحادثة :
روى أبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال : خرجنا في سفر ، فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ، ثم احتلم ، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء !! فاغتسل ، فمات 0 فلما قدمنا على رسول الله (ص) أخبر بذلك فقال : قتلوه قتلهم الله ! ألا سألوا إذا لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال 0 إنما كان يكفيه أن يتيمم ، ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده 0
إذا كان الرسول قد حكم على هؤلاء بأنهم (( قتلوه ، قتلهم الله )) مع جهلهم بالرخصة 0 فكيف يكون حكمه على الذين يعرفون الرخصة ويعرفون محبة الله لإتيانها ، ثم يشددون على عباد الله ! ترى كم يقتل هؤلاء بتزمتهم وتشديدهم من الأنفس وهم لا يشعرون !

الرفق بحديث العهد بالإسلام والتيسير عليه :

التيسير على حديث العهد بالتوبة، فإذا عاش الإنسان عمرًا في أوحال المعصية، ثم شرح الله صدره للتوبة، وهداه إلى طريق الاستقامة، فالواجب أن نترفق به، ونعتبر كأنه دخل الإسلام من جديد، ونأخذ بالأخف من الأعمال، والأيسر من الأحكام، حتى ترسخ قدمه، وتمتد جذوره في أرض الصلاح والتقى، ثم بعد ذلك نرقى به شيئًا فشيئًا، بل هو في الواقع هو الذي سيجتهد أن يترقى، فإذا كان في أول الأمر يكتفي بالفرائض سيحاول أن يضيف إليها السنن أو بعضها في أول الأمر. وكذلك إذا كان يكتفي باجتناب الكبائر، سيجتهد أن يضم إليها الصغائر، بل يترقى فيها بعد ذلك، حتى تبقى الشبهات، ومن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعرضه.

التدرج في التغيير

فسنة التدرج من سنن الله تعالى في الكون ، ونحن في حاجة إليها في مجال الشريعة ، لأن التغيير في حياة الناس من أصعب الأمور ، وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة حتى زحزح العقائد الفاسدة في مكة ، ثم كان التشريع الذي استغرق عشر سنوات ، وقد كان لسنة التدرج أثرها في تحريم الخمر والربا وغيرهما ، ولكن لا يعني هذا الخمول والكسل وتأخير الأمر عن حده ، فنحن نحتاج إلى تدرج في تطبيق الشريعة ، يعني لا نعلن التطبيق بقرار فوري ،بل لابد من تهيئة الشعوب وإعداد العدة ، بحماس وإخلاص ، حتى يبقى الأمر ويدوم .

من التيسير المطلوب في الشريعة: مراعاة سُنَّة التَّدَرُّج، جَرْيًا على سُنَّة الله - تعالى- في عالَم الخَلْق، وعالَم الأمر، واتباعًا لمنهج التشريع الإسلامي في فرض الفرائض من الصلاة والصيام وغيرهما، وفي تحريم المُحرَّمات كذلك.

ولعل أوضح مثل معروف في ذلك هو تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي، لا يجهلها دارس.
ولعل رعاية الإسلام للتَّدَرُّج هي التي جَعَلَتْه يُبقِي على "نظام الرِّقِّ" الذي كان نظامًا سائدًا في العالَم كله عند ظهور الإسلام، وكان إلغاؤه يُؤدِّي إلى زلزلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فكانت الحكمة في تضييق روافده بل ردمها كلها ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل، وتوسيع مصارفه إلى أقصى حَدٍّ، فيكون ذلك بمثابة إلغاء للرِّقِّ بطريق التدَرُّج.

وهذه السُّنَّة الإلهية في رعاية التدَرُّج ينبغي أن تُتَّبَع في سياسة الناس عندما يُراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة اليوم، بعد عصر الغزو الثقافي والتشريعي والاجتماعي للحياة الإسلامية.

فإذا أردْنا أن نُقيمَ "مجتمعًا إسلاميًّا حقيقيًّا" فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجَرَّة قلم، أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس، أو مجلس قيادة أو برلمان.

إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية، وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المُحرَّمة التي قامتْ عليها مؤسسات عِدَّة لأزمنة طويلة.

ولا نعني بالتدرج هنا مجرد التسويف وتأجيل التنفيذ، واتخاذ كلمة التدرج لتمويت فكرة المطالبة الشعبية المُلِحَّة بإقامة حكم الله، وتطبيق شرعه، بل نعني بها تعيين الهدف، ووضع الخطة، وتحديد المراحل، بوعي وصدق، بحيث تسلم كل مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم، حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة التي فيها قيام الإسلام، كل الإسلام.

وهو نفس المنهاج الذي سلكه النبي - صلى الله عليه وسلم - لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية.

ومن المواقف التي لها مَغْزَى ما رواه المؤرخون عن عمر بن عبد العزيز، الذي يَعُدُّه علماء المسلمين "خامس الخلفاء الراشدين" وثاني العمرين؛ لأنه سار على نَهْج جده الفاروق عمر بن الخطاب: أن ابنه عبد الملك - وكان شابًا تَقِيًّا مُتَحْمِسًا - قال له يومًا: يا أبتِ، مالكَ لا تنفذ الأمور؟ فواللهِ ما أُبالِي لو أن القدور غَلَتْ بي وبكَ في الحقِّ!!

يريد الشاب التقي الغيور من أبيه - وقد وَلاَّه الله إمارة المؤمنين - أن يقضي على المظالم وآثار الفساد والانحراف دفعة واحدة، دون تريُّث ولا أناة، وليكن بعد ذلك ما يكون!

ولكنَّ الأب الراشد قال لابنه: لا تَعْجَلْ يا بُنَيَّ، فإن الله ذَمَّ الخمر في القرآن مرتين، وحرَّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة! "انظر الموافقات للشاطبي: 2/94"

يريد الخليفة الراشد أن يُعالِج الأمور بحكمة وتدرُّج، مهتديًا بسُنَّة الله - تعالى- في تحريم الخمر، فهو يُجَرِّعهم الحق جُرْعةً جرعة، ويَمضي بهم إلى المنهج المنشود خُطوة خطوة. هذا هو الفقه الصحيح

وهكذا ندع هذا المسلم يروض نفسه ويجاهدها، ويرقى بها من منزلة إلى منزلة، حتى يصل إلى درجة المتقين الذين ورد فيهم الحديث: "ولا يبلغ عبد درجة المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس".

خاتمة :
إن الإسلام المنشود، هو الإسلام الأول، إسلام القرآن والسنة، سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنة الراشدين المهديين من بعده، إسلام التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، والرفق لا العنف، والتعارف لا التناكر، والتسامح لا التعصب، والجوهر لا الشكل، والعمل لا الجدل، والعطاء لا الادعاء، والاجتهاد لا التقليد، والتجديد لا الجمود، والانضباط لا التسيب، والوسطية لا الغلو ولا التقصير.
إسلام يقوم على عقيدة روحها التوحيد، وعبادة روحها الإخلاص، وأخلاق روحها الخير، وشريعة روحها العدل، ورابطة روحها الإخاء، وثمرة ذلك كله حضارة روحها التوازن والتكامل.
هذا هو الإسلام الذي يقربنا من العالم، ويقرب العالم منا.


¨ اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.
¨ اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من صاحب يرديني .
¨ اللَّهُمَّ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك أنت تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

اللهم صل أبداً أفضل صلواتك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك محمد وآله وسلم عليه تسليماً وزده تشريفاً وتكريماً وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة .
=================================== ======

مجموعةإنسآنـ
12-Apr-2006, 11:17 AM
اخوي جزاك الله خير


ولكن بختلاف المذاهب اختلفة الكثير من انورنا


بين تحليل وتحريم وتخفيف وتشديد واصيح كل عالم

يفتي على حسب مذهبه

يعني في من يقول ان المراة عوراء ولا يجوز خروج

اي شي منها حتى وجهها حتى لو كانت في دوله غربيه

وهناك من يبيح سواء في دوله غربيه او عربيه او في بلدها

وهناك من يحلل مادامة التوايه في صالح الاعمال

وهذا مثل صغير والامثله كثيره ولكني معك

اننا لابد ان نتقي الله وان الدين يسر وليس عسر


وجزاك الله خير وبارك الله فيك

بنت الامارات
12-Apr-2006, 11:24 AM
اخوي جزاك الله خير

samir-ob
12-Apr-2006, 02:23 PM
مجموعة انسان الفاضل
بنت الامارات الكريمة
لسنا نريد أن نبتكر لأبناء العصر ديناً سهلاً خالصاً سائغاً للشاربين , و إنما دين الله نفسه يسر لا عسر فيه هو الذي قال ( و ما جعل عليكم في الدين من حرج ) و هذا نفي عام لكل حرج في الدين , فأي حرج يصادفنا فلتعلم أنه من صنع الناس لا من شرع الله .

جزاكما الله الأجر العظيم .

محبوبة الملايين
12-Apr-2006, 02:50 PM
إسلام يقوم على عقيدة روحها التوحيد، وعبادة روحها الإخلاص، وأخلاق روحها الخير، وشريعة روحها العدل، ورابطة روحها الإخاء، وثمرة ذلك كله حضارة روحها التوازن والتكامل.
هذا هو الإسلام الذي يقربنا من العالم، ويقرب العالم منا.



كلامك رائع جدا

جزاك الله كل الخير

و نور قلبك بالايمان

دمت بود ..

samir-ob
13-Apr-2006, 01:15 AM
الاخت الفاضلة محبوبة الملايين :
إذا أردْنا أن نُقيمَ "مجتمعًا إسلاميًّا حقيقيًّا" فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجَرَّة قلم، أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس، أو مجلس قيادة أو برلمان.

إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية، وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المُحرَّمة التي قامتْ عليها مؤسسات عِدَّة لأزمنة طويلة.

أسعدني رأيك , و اشكر لك حسن المتابعة و طيب المرور
أرق و أطيب تحية معطرة بروائح جنة النعيم .

oxxo
13-Apr-2006, 09:56 AM
اخوي جزاك الله خير

samir-ob
13-Apr-2006, 10:33 AM
oxxo الكريم :
يسعدني تواجدك , تشرفت بك .
أطيب تحية

بنووته شيطوونه
13-Apr-2006, 11:06 AM
يسلمووو خيو سامر

على الطرح المميز

والله يعطيك الف عافيه

دمت بود

الفــدرالــي!
14-Apr-2006, 09:20 PM
أخوي الغالي


جزاك الله خير

والله يعطيك العافيه على الطرح القيم

اعذب تحيه

samir-ob
17-Apr-2006, 02:31 AM
بنووته شيطونة الكريمة
الفدرالي الغالي
الشكر لنا جميعاً , و الفائدة لنا جميعاً .
الغلو و التشديد غير مرغوب , و ديننا دين يسر .
أطيب و أرق تحية لكما .

عاشق القمر
19-Apr-2006, 01:55 PM
جزاك الله خيرا اخي الفاضل

سمير

نعم هذه هي مقاصد الشريعة الاسلامية السمحة والتي جاء في مجمل قواعدها

وما ارسلناك الا رحمة للعالمين ((بكل ما تقتضيه معاني الرحمة))

الرفق ما وضع في شيء الا زانه وما نزع من شيء الا شانه

ويسروا ولا تعسروا

لن يشاد احد هذا الدين الا غلبه

ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

والمشقة تجلب التيسر

الضرر يزال

اذا ضاق الامر اتسع

والسبيل لفهم هذه المقاصد هو العلم نعم طلب العلم والاجتهاد في طلبه عن رغبة وهمة حتى ينال ثمرته ويبلغ مراده

فالمتمعن عن علم في احكام الشريعة الاسلامية ستظهر له هذه المقاصد السامية والاهداف النبيلة وانها ما جعلت الا لصالح الانسان ..

الانسان الذي اصطفاه الله واختاره من بين جميع مخلوقاته لينال شرف العقل والتكليف

اخي ا لفاضل

اكرر شكري وامتناني لشخصكم الكريم

ولا اخفي اعجابي باتساع مدرككم وروعة قلمكم

فأسأل الله تبارك وتعالى ان يحفظك ويرعاك

كل الود والتقدير

samir-ob
21-Apr-2006, 01:34 AM
الأحبة الكرام جميعاً :
اسعدني تواصلكم
نحن هنا للفائدة و الحصول على الأجر و الثواب
أطيب تحية

لووودي
31-Jul-2006, 06:38 PM
اخي
يعطيك العافية
وجزاك الله خير
تحياتي